السيد محمدحسين الطباطبائي

80

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإدراك والتعقل . وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرفت فيها الفرق الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سواء كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه ، والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه اللّه سبحانه . ففرقة تتسمك من القرآن بآيات للتجسيم ، وأخرى للجبر وأخرى للتفويض وأخرى لعثرة الأنبياء ، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات ، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات ، إلى غير ذلك ، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه . وطائفة ذكرت : أن الأحكام الدينية إنما شرّعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق وتيسر ، وأخرى قالت : إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال ، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل . وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تنقص وتسقط حكما فحكما ، يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية ، ولم يبطل حكم أو حد إلّا واعتذر المبطلون : أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم ، حتى آل الأمر إلى ما يقال : إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا بإجرائها ، والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم واجرائها ، وإلى ما يقال : إن التلبس بالأعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية ، والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بأمثال الوضوء والغسل والصلاة والصوم . إذا تأملت في هذه وأمثالها - وهي لا تحصى كثرة - وتدبرت في قوله